قراءة كتاب مرايا الجنرال لـ طارق بكاري
ادعمنا لنستكمل المسيرة

×
عن هذا الكتاب:

مرايا الجنرال – طارق بكاري أتممت قراءة رواية "مرايا الجنرال"، الإصدار الثاني للكاتب طارق بكاري بعد عمله الأول "نوميديا" الذي توج بجائزة المغرب للكتاب ووصل إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" دورة 2016.صدرت "مرايا الجنرال" عن دار الآداب اللبنانية، وكان ظهورها الأول ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بمدينة الدار البيضاء .هي قصة الجنرال قاسم جلال، الذي يستعرض ذكرياته السابقة على الطبيبة النفسية الشابة ليلى، هو القادم من فرنسا إلى ليكسوس المغربية لتسلم مهامه كحاكم جديد لها بعد تقاعد سلفه الملقب بالمير، ليلقي القدر في طريقه بجواهر، العاشقة التي تهيم حبا بسيمون، اليهودي المتشبع حتى النخاع بالمبادئ الماركسية المنادية بالثورة على الأوضاع المتردية ومواجهة ظلم وتجبر النظام، فكان هذا القدر بمثابة الشرارة لاندلاع حرب من نوع خاص، تتداخل فيها متاهات السياسة مع الاضطرابات النفسية العنيفة ومشاعر الحب المتوقدة وقيود الشهوانية المدمرة.
إن انطلقنا من العنوان، سنجد بأنه كان موفقا إلى حد بعيد (ربما أفضل من نوميديا حسب رأيي)، فهو يجمع بين المعنى الظاهري ونظيره الباطني على السواء، ظاهريا نجد بأنه يلمح إلى العلاقة المضطربة للجنرال مع المرايا، بسبب ترسبات استغلاله جنسيا على يد الممرضة جوزفين، وقد ظهر ذلك جليا في اللقاء العاصف الأول الذي جمعه في مكتبه بالحسناء الكوبية إزميرالدا القادمة من بلادها للبحث عن سيمون، أما إن قرأنا العنوان بطريقة أخرى فسنفهم بأنه يشير ربما إلى لعبة المرايا الروائية المسيطرة على العمل، عندما يتم تناول مجموعة من الأحداث من خلال وجهات نظر مختلفة، من جواهر إلى ليلى مرورا بسيمون، وكلها على ارتباط مباشر ووثيق بالبطل الرئيسي، الجنرال قاسم جلال.
اعتمدت الرواية بشكل شبه كامل على تقنية الرسائل التي يتناوب على كتابتها أبطال العمل المتحدثون بصيغة المتكلم، قاسم، سيمون، ليلى وجواهر، وتسير الأحداث في خطين زمنيين منفصلين، الأول بين نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، والثاني منتصف تسعينيات القرن الماضي، فيما تدور معظم الأحداث في مدينة ليكسوس الوهمية (ذكرني هذا الأمر بعمورية عبد الرحمن منيف) مع ظهور ثانوي لأماكن أخرى في مارسيليا والدار البيضاء وجزيرة فرنسية صغيرة ومنسية.اللغة كعادة طارق لا غبار عليها، الشاعرية التي تجمع بين القوة البلاغية ورهافة الحس، وإن اختلف التوظيف هذه المرة، بين قرية إغرم في نوميديا، وأجواء ليكسوس في مرايا الجنرال، مع ظهور عابر للأجواء القروية في المرايا رغم أهميته في فهم السياق أو الخط الناظم للأحداث، خصوصا عندما نتعرف على ماضي قاسم وظروف انتزاعه من مسقط رأسه بالقوة.كان للغة دور أساسي في تقريب بعض المشاهد من القارئ، ما يجبره على التفاعل معها بشكل كبير، سواء عندما يتعلق الأمر بوصف أقبية التعذيب في السجون، أو علاقة قاسم المضطربة بمحيطه، نفسيا وجنسيا، أو حتى تناوب أبطال العمل على وصف مشاعرهم وأحاسيسهم تجاه بعضهم البعض، قبل أن يتوج كل هذا الجمع بين سحر اللغة ودقة وصف المشاهد بالمفاجأة الصادمة في نهاية العمل (رغم أنني توقعتها في البداية و كان حدسي صحيحا...)
رغم وضوح الطابع المغربي في رواية مرايا الجنرال، إلا أن توظيف "ليكسوس" كإسم للمدينة "الوهمية" التي تدور فيها الأحداث يجعلنا قادرين على إسقاط الأحداث التي جرت فيها على عدد من الحالات داخل المغرب أو حتى خارجه، دائما نفس المعاناة، نفس قصص الحب الجريحة، خاصة عندما تفرق بين أبطالها الديانة أو القومية أو الطائفة، في أوطان حكم على معظمها بالبؤس والشقاء والعجز حتى عن التفوه بكلمة ما دامت الأنظمة قادرة على إحصاء أنفاس الجميع وربما خنقها إذا اقتضى الأمر.ذكرتني نهاية قاسم جلال، ومحاكمته التي ركزت على "غزواته الجنسية" وتجاهلت جرائمه الأخرى، ذكرتني بقضية الحاج ثابت الشهيرة، التي شغلت الرأي المغربي أواسط تسعينيات القرن الماضي، وكان بطلها آخر من نفذ فيه حكم الإعدام في المغرب إلى يومنا هذا، هل حاول الكاتب التلميح إلى "الحاج ثابت" وشخصيته الفريدة والغامضة من خلال حديثه عن الجنرال قاسم جلال ؟ أم أنها مجرد مصادفة ؟بقيت الإشارة إلى نقطة أخيرة هنا، صحيح أن ثيمات المرض النفسي وسنوات الرصاص والعلاقة مع اليهود المغاربة جرى استخدامها أكثر من مرة في أعمال روائية أخرى، لكن الجديد في مرايا الجنرال هو قدرة الكاتب على توظيفها بإتقان والجمع بينها في عمل روائي واحد، مع إضافة خط جديد مرتبط بنظرية المؤامرة التي اختلف المحللون في فهم أبعادها، وجسدها الكاتب هنا من خلال شخصية العجوز هارفي الذي تحكم في ماضي الجنرال (وربما حاضره ومستقبله أيضا) وجعل منه إنسانا آليا مجهزا لتنفيذ الأوامر، ما يحيلنا هنا إلى ما يصطلح عليه فلسفيا بظاهرة "تفكيك الإنسان" أو "ما بعد الإنسان" أو حتى "الإنسان الآلة" التي حذر منها فيرجيل جيورجيو في روايته الخالدة "الساعة الخامسة والعشرون"، وأرى من وجهة نظري أن طارق كان ذكيا في توظيف هذه القضية الشائكة في روايته.مرايا الجنرال عمل مميز لعدة أسباب، ذكرت بعضها هنا وتركت البعض الآخر للقارئ حتى لا أحرق كل تفاصيل الرواية، مع تأكيدي بأن سحر اللغة وعمق بعض المقاطع الشاعرية سيضمنان للقارئ سفرا ممتعا بين صفحاتها...


اقرأ أيضا لـ طارق بكاري