قراءة كتاب منافي الرب لـ أشرف الخمايسي
ادعمنا لنستكمل المسيرة

×
عن هذا الكتاب:

رواية طويلة ذات فكرة عبقرية وهامة لعصرها بشدة، وقد ثار حولها جدال ابتعد تماما عن فكرتها. محور الرواية هو "روح الدين"، فتبدأ الحكاية وأبطالها الثلاثة الأساسيون يصلون فيه وتنتهي وحقيقة المكان تتغير أمام عقولهم.
أجاد الكاتب رسم المشاهد والتنقل بين الأبطال، واستخدم الحوار لإخراج بواطن أبطاله الثلاثة فيما بين سطور نقاشاتهم، متجنبا غوص الراوي في نفوسهم بوصفه وتحليله، وهو ما يحسب له بقوة ويستحق وحده نجمة وأكثر، إذ يندر من يتركون أبطالهم يتشكلون دون تدخل للراوي، ولكن ما يسقط نجمة كاملة أخرى من التقييم هو أن لسان الحوار لم يتشكل كما تشكلت الأفكار، وإنما تكلم الجميع بنفس اللسان (لسان الكاتب) سواء هؤلاء الثلاثة، أم الشخوص الآخرين، سواء رجال أو نساءوعن الشخصيات النسائية في الرواية، فجئن كأنهن كلهن امرأة واحدة منزوعة الفكر لا شيء في دماغها إلا سوءتها ورجل، فظلم الكاتب شخصيات مثل "سريرة" و "سيرين" وقد كانتا تسمحان بثراء متخطٍ للمألوف لكن لم يتعد ما فعله الكاتب (كروكي) لوحة جيدة، ثم جاءت نظرته أوضح ما تكون في ص 262 في تلخيص مسببات الرهبنة في نساء خائنات. ومن قصور تصوير الكاتب للنساء فشخصية سريرة كذلك خرجت عن المنطقية في رد فعلها وشبقها للزوج أمام خشية افتقاده حين ننظر للخلفية التي أرادها الكاتب لعلاقتهما على مدى عمرهما معا المشاهد الجنسية جاءت كرمز لقوة الحياة الوليدة أمام الموت، ولاستمرارها غير المحكوم سوى بأنه ديدن الأجيال شاء من شاء وأبى من أبى، فأجده قد وظف جيدا، ولكن فقط في تواجده وليس في ابتذال وتطويل مشاهده وتكرارها، الذي حوَّل الأمر لاستعراض مشهدي فاحش في مجال لا يحتاج لاستعراض فكل هر تائه في الشوارع يمكنه وصفه وإن استمعت لأحاديث أجهل الناس ما نقص وصفهم عما جاء هنا.هناك بعض سقطات للكاتب، مثل استخدام ضمير المتكلم "أنا" للحكي على لسان شخصية هامشية "ثريا"، ثم إن المشهد انتهى وعاد إلى الراوي العليم، فليس من مبرر لتخصيصه لها. كذلك فمشهد استمناء سليم لو حذف بكامله ما شعر القارئ به، فهو لا قدم ولا أخر للنص، وعلى العكس تماما مشهد محاولته الطفلة مع سكيرة الذي امتلأ بالحيوية المذهلة. أيضا رد فعل صحبة حجيزي حين تنصره، وقد كانوا يجادلون في كل توافه الأمور، فما بالهم لا مشكلة تقريبا لديهم مع كبيرة كهذه؛ بل وهو نفسه –وهو الذي يرهق عقله بالتفكير في كل شيء- لم يقنعني مشهد انبهاره بكلام الراهب عن الحياة وإن مات كدافع للتنصر، فكان أضعف مشاهد الرواية على الإطلاق؟ وأخيرًا ما قرره الكاتب في منتصف الطريق أن بداية تمرده كان منذ شبابه وهو ما يناقض ما رسمه في كل ما قبل من أنه تمرد اقتراب الموت وخوفه من الدفن.أطلق النص قيمة الجسد والجنس كمحرك رئيس للحياة، وحتى قالها في ص 299 "الغريزة تحكم الجميع، عاقل أو غير عاقل"، والمحرك الآخر هو الدين والمعتقد الذي شغل "حجيزي" على مدار الصفحات.وعن الجدلية التي ثارت حول النص، فبدايةً رؤية "الله" جاءت في هلاوس رجل ضائع يائس في الصحراء، فلا ألومها، خاصة وأن رحلة غنيمة في الحياة تسمح بفكر مفتوح ويأس مجنون. أما مشاهد لقاء المسيح والمعزي فجاءا في افتعال هدم كل ما بناه الكاتب من جودة سابقة لهذه المشاهد، فقد أراد أن يصعد الصراع ليجلب النهاية لكن خاب السياق تماما حتى أن القارئ قد يقفز فقرات كاملة ليتخطى ذلك الإحباط بعد العشم وينتهي إلى الغلاف بسرعة محتفظا بالقدر الذي أمتعه قبل تلك السقطة.ربما يمكنني اعتبار هذا النص كنموذج للتفريق بين فساد فكر بطل وفساد فكر يقدمه نص ما، فكل ما جاء ودار حوله الجدل والاستنكار كان في فكر أبطال لم يجزم الكاتب بأنهم الصالحون الذين يدعو هو بدعواهم، وذلك أمر يجب ألا يقع فيه من يحاكم النص
جاء المشهد والصراع الأجمل في النص كله ذلك تيه غنيمة وكلبه وناقته/ ثم مشهد محاولات سليم وسكيرة/ ثم المقولة على لسان الراهب يوأنس ص 320 : "لأنه في كل الأحوال إله، حتى لو أنه أوجدنا لمجرد أن نتألم فهذه محبة كبيرة؛ الحياة مع الآلام أفضل كثيرًا من العدم" والتي رسمت لي ابتسامة سياسية ساخرة للغايةوجاء الختام أجمل ما يكون باكتشاف حقيقة المسجد، ليحمل رسالة الرواية مجملة أن "روح الدين" هي ما نعيش به وليس قيود الدين، فما أراد الخالق بما أنزل من أديان إلا أن يصلح الحياة لنا وبنا لا أن يعذبنا بتعاليم تسجن الأرواح أو العقولهناك العديد من الأخطاء اللغوية حاولت حصرها في البداية –ربما كنوع من إعلام كاتب يهوى جلد الآخرين- ثم سئمت، لكن تظل ضآلة نسبتها –حسب مفهومي وتقييمي لمهنة المراجع- ممتازة، فليس ما نراجع هنا نصا له قدسية السماء يصححه الملائكة .