تحميل كتاب الحي الروسي لـ خليل الرز
ادعمنا لنستكمل المسيرة

×
عن هذا الكتاب:

الحي الروسي – خليل الرز الحي الروسي… بين يوميات الخضوع و الحلم ببزوغ البطل!انتهيت للتو من آخر صفحات رواية الحي الروسي للأديب والروائي السوري خليل الرز، وهي واحدة من روايات القائمة القصيرة للبوكر هذا العام، والحقيقة أنني أقف عاجزًا أمام غرائبية واختلاف هذا النص الأدبي عن كل ما قرأته من قبل دون أدنى مبالغة!
نحن أمام مكان افتراضي، متخيل، يضاهي في مرونته وانسيابيته الشخوص والأحداث، مخلوق ببراعة مزجت بين الواقع والخيال بمغزل دقيق أحكم الروائي نسيجه بإتقان شديد، أبطال الرواية زرافة صامتة تظهر كركيزة سردية رئيسية تمنح للقارى العديد من الإحالات والإسقاطات إذ تنشغل بمشاهدة أخبار الحرب عبر تلفزيون صامت لا حاجة لأحد بسماعه وسط دوي القصف القريب، فيما تبث بهدوء أفكارها وربما نبوءاتها لمن حولها، وكلبين إحداهما عجوز حكيمة تحمل اسمًا روسيا، لا تتوقف رفقة كلب بودول آخر عن لعب دور مهم في تدوير الأحداث وتشكيل عنصر سردي هام، وقط، وعصفور منسوج من الصوف، وخمسة أصوات بشرية محورية تتقاسم منصات السرد مع الحيوانات، ذلك دون أن يمنح المؤلف لتلك الحيوانات أصواتًا تحيلهم إلى مقارنة ما مع أبطال كليلة ودمنة.الحي الروسي، هو مكان أفرزته قريحة الكاتب بطريقة تجعله أقرب للوجود الفعلي على مقربة من العاصمة السورية، إلا أن هذا الحي تحديدًا ظل بعيدًا عن الإنخراط في أطوار الحرب الدائرة، يعيش قاطنوه حياة تبدو اعتيادية، فيما الواقع أنهم يرضخون تحت وطأة القهر والحرب بكل مفرداتها، لذلك نجد الأبطال مهتمون بتتبع تثاؤب الزرافة وسلوكها الهادئ، ومحاولات استباط العلاقة بينها وبين الكلاب، والانشغال بترجمة الرسائل الصامتة التي تبثها الزرافة في عقول محيطيها، فيما الحرب تضطرم مستعرة على مبعدة أمتار، والقذائف تتهاوى على مقربة من مستقرهم.والناس في الحي الروسي يتعلقون بطيف البطل، ولكن البطل ليست له بطولات حقيقية فوق الأرض، حتى مواجهته مع الفتوة الروسي عطلتها الثلوج فلم تتم، ونصره الصوري في الاستحواذ على كباريه شعبي لا يندرج في سجلات البطولة، ولكنه يظل في أعينهم بطلا منتظرًا، سرعان ما يتداعى وينتهي بصورة درامية، بيد ان موته يمنحهم سببًا لكسر طوق الصمت الذي عقدت به ألسنتهم وطوّق أعناقهم، فينطلقون في جنازة مهيبة خيالية لتشييعه، قبل أن تختتم الرواية بنزوح جماعي هو أشبه بمظاهرة تقودها الزرافة ذاتها، نحو مصير غامض يكتنف الجميع.رواية أخرى عن الحرب السورية، إلا أنها مغايرة لكل الكتابات التي تتناول ذات المأساة، تمزج الفانتازيا بالحرب، حول عالم متداعي ينهار بتؤدة على رؤوس ساكنيه المستسلمين للطغاة عبر تلاوات الصمت وطقوس الاستكانة والاستسلام، دون صخب يصم الآذان، ودون الإفراط في بكائيات الحرب ومتابعة سريان أنهار الدم والترنم بمرثياتها، رواية رمزية بامتياز، حافلة بالتجريب والتجديد، تصهر الحقيقة والخيال في بوتقة حكائية مختلفة، تستلزم من القارئ مجهودًا حثيثًا في تتبع خيوطها، ووصلها، حتى تبوح بمكنونها.هناك بضعة مشاهد توقفت عندها كثيرًا بكل إعجاب وانبهار، مشهد الأم في متابعتها لمبارة كرم القدم مع الرواي في الليلة السابقة لبتر ساقها كنتيجة لتداعيات مرض السكري، مشهد المؤلف الروسي ومحاولته استكمال ما ينقص روايته من روائح كان حري به إدراجها في كتابته الأولى، مشهد الممثل المسرحي السابق في قاعة السينما ومشاهدته لمشهد من فيلم عن نابوليون بونابرت، مشهد جنازة عصام وسط المشيعين والملائكة على إيقاع الطبول، والمشهد الختامي بقيادة الزرافة التي وجد الناس في انطلاقتها خلاصهم المؤجل والمأمول.الروائي خليل الرز، وكأنه يمنح القارئ لوحة، وفرشاة وألوانًا، ثم يضع له خلفية، وبضع زوايا، ومحددات وأركان، ثم يطلب منه تلوين باقي اللوحة في ظل الأطر التي وضعها له فوق اللوحة.لماذا لم نسمع في مصر عن خليل الرز من قبل؟البوكر هذا العام قدمت لنا تجارب سردية مغايرة ومختلفة ومهمة، فمن حيث البناء والتركيب والتجريب، كانت هناك سلالم ترولار لسمير قسيمي في القائمة الطويلة، علاوة على التانكي والحي الروسي في القائمة القصيرة، وهي كلها تجارب جديرة بالدراسة والمتابعة.