كيف انتحر مايكوفسكي
كيف انتحر مايكوفسكي
عن هذا الكتاب:

كتاب كيف انتحر مايكوفسكي – ك. ستشدانندن أجمل ما تلتمسه في شعر (استشدانندن) هو روحيته الأممية.. أممية حاضرة في كل زاوية من خيالاته، عابرة للجغرافيا، عابرة للون الجلد، و الدين، و الثقافات، و لغاتها، كما مثلاً في قصيدة (عن سور الصين العظيم) لا أؤمن بالجدران.أؤمن بالماء.بالماء، بالجذور، بالحب،لأن هؤلاء يعملون ضد الجدران.كل الجدران مؤسسة على الدماء،دماء الرجال، و الحيوانات، و النباتات.و أنا لا أحرس الحدود. أؤلئك الذين يحرسونها بحماسة هم أنفسهم الأشخاص الذين صنعوها.ولا أعني بها هنا الأممية المؤدلجة التي تقوم على الأفكار النظرية المجردة، بل هي نوع من أممية هجينة جامعة في منطلقاتها بين وجدانية الشاعر العميقة التي تطمح بتجاوز العزلة التي كرستها الاختلافات و التصنيفات التي أرستها عبر الحركة التاريخية المنظومات البشرية، سالخة الفرد عن قضاياها المشتركة، و البعد الرمزي الكامن في شعار (غيفارا) "أينما وجد الظلم فذاك هو وطني".. نلتمسها في قصائد عن حروب و انتفاضات و شخصيات، من قصيدة عن أحداث "تيانن من" في بيكين الى قصيدة مهداة لشهداء "القنيطرة" تحت ضربات الاجتياح الاسرائيلي أو قصائد هي تحيّته (لا يسلك فيها منهج المديح المبتذل) لغاندي و عرفات و اللاما و ماياكوفسكي..كثيرة هي قصائده الملتزمة علانيةً بقضايا ينحاز اليها، ينقلها من مستوى التجريد الى مستوى التأثير، من العام الى الخاص، محاكياً اياها عبر إسقاط تأثيراتها على ذاته ليصبح الُمتخَيل الشعري بمثابة ستار شفاف يغطي صوت خطابي ملتزم.يبرز اذاً في متن هذه القصائد و بين مفاصلها مضمون ذات خلفية سياسية و إجتماعية، تصاحبه شحنات قلق و كبت و خيبات ظن محتشدة في نفس (استشدانندن)، لتطغى فيها انطباعات مريرة حول الحرب و الظلم، مستقطعة بغتة بومضات مهادنة و بفواصل تأملية و سارحة. من قصيدة (جسدي مدينة)
في هذه المدينة صرخات الولادة
و أنات الموت،
و إغواءات القوادين
و بشارات القديسين،
و مساومات التجار
و انعزالات الرهبان
غابات في أقفاص و ينابيع في قيود..
لأن أراد (استشدانندن) أن يكون شعره غير منفصلاً عن وجدان المجتمعات و حركتها في التاريخ، فهو يحضّ على أن تنعتق لغة قصائده، بما هي أساساً أداة تواصل و تفاهم بين الانسان و الانسان، من نسق الغنائية التعبيرية الدائرة حول نقطة ارتكاز أناويّة و الغارقة في ذاتية مفرطة..
فهو يذوّب في وعيه الفردي الذاكرة الجماعية و التجربة الانسانية، معانقاً عبر القصيدة الانسان أينما وجد في كليته و شموليته.
روحيّة هذه الصور و الانطباعات الشعرية التي تخالجه، تعبّر عنها أفضل تعبير خواطر تأمّلية للكاتب اليوناني "كازنتزاكيس" في نصه "تصوّف"، جمعها تحت فصل بعنوان "سلّم الانسانية" :"..أنت لا تتكلم وحدك، و لا تتكلم سلالتك وحدها من خلالك، ففي داخلك تصطخب و تتصابح أجناس لا تحصى من البشر -بيض و صفر و سود. تحرر من السلالة أيضاً. جاهد لكي تحس بالانسان المكافح في كل مكان.""..مرّن عينيك على مشاهدة شعوب بأكملها تتحرك على حقب زمنية كبيرة. استغرق في هذه الرؤيا بصبر و بحب و دون أدنى غرض حتى يتنفس العالم بداخلك شيئاً فشيئاً، و حتى يتوّهج المتصارعون و يلتحموا في قلبك، حتى يتعارف الأخوة.""..الصرخة ذاتها تنتقل من جسد الى جسد، و من جيل الى جيل"..
انها اذاً أممية انسانية في دوافعها متحررة من الوطنية الضيقة، لا تفقد تناغمها حتى في انفعالاتها، متقلّبة مزاجياً بين تضامن و نقمة، انما متّزنة في موسيقيتها صعوداً و هبوطاً مثل كونشرتو الفصول الأربعة لڤيڤالدي..شعر (استشدانندن) يزخر بصور تشبه ساحة لعب الأطفال.. استعاراته المجازية و تشبيهاته غير متكلفة و ملونة، كثياب ناسك في معابد نيودلهي و ڤاراناسي. لا يلهيك بتنميق مصطلحات مصطفّة أو بترصيعات لغوية، و الانطباعات و المدركات الحسية التي يستدعيها في صوره الشاعرية هي بسلاسة و خفّة نكهة حبات الأرز و الهال و السكر كالتي ناولني اياها چورو هندوسيّ عقب صلاواته الغنائية التأملية في معبد "غالتا جي" فوق تلال المدينة الزهرية "جايپور".من قصيدة (ابنة)، [مهداة الى سابيتا التي تعاني من تصلب الأنسجة المتعددة]إنني أرى ابنتي التي بلغت الثلاثين من العمر
و قد عادت طفلة في الشهر السادس.
أغسلها، و أزيل عنها غبار و أوحال
ثلاثين سنة.يرفع بيتهوڤن يديه
الأكبر من انسانيتين
و يحيل قضبان النافذة
الى مفاتيح بيانو.
تبرز ابنتي
من خلال سمفونية
لتحضنني
بيديها اللتين في نعومة الورد.
 


Banner

Add comment

Security code
Refresh

نبذة عن ك. ستشدانندن