التفاحة لم تكن فاسدة
التفاحة لم تكن فاسدة
للكاتب: سارة طوبار
من قسم: كتب أدبية
عن هذا الكتاب:

التفاحة لم تكن فاسدة – سارة طوبار في مجموعتها القصصية الأولى "التفاحة لم تكن فاسدة" والصادرة مؤخرًا عن دار مقام، ترسم سارة طوبار عددًا من المشاهد المتعاقبة التي يتم التقاطها بذكاء من داخل حياة المرأة المصرية، وتعبِّر بها عن عددٍ من مشكلات المرأة التي يبدو أنها تحتاج دومًا للمزيد من طرق العرض والقراءة والتحليل، والتي تكشف باستمرار عن مشكلات يزخر بها مجتمعنا الشرقي بصفة خاصة، ولكنها تؤمن أيضًا أن وراء كل ذلك يمكن أن توجد البهجة. تهدي "سارة" مجموعتها إلى "الغريبات اللاتي تتحرر أرواحهن كل مساء من صخب التفاصيل المفروضة.. اللاتي يحلِّقن عاليًا داخل فقاعاتهن الخاصة، ساعياتٍ خلف حرياتهن مؤمناتٍ بأن ثمّة أشياء مبهجة يمكن أن تحدث".عبر تسع عشرة قصة قصيرة تدور "سارة" بين عوالم المرأة ومشكلاتها من جوانب متعددة، وتحاول أن ترصد كذلك بعض مشكلات المجتمع، نجد ذلك بوضوح في قصة "أوجاع بالنعناع" التي يظهر فيها إدانتها للمجتمع الذي يحكم على الفتاة من خلال أمها وتصرفاتها الظاهرية التي لا يرضى عنها، رغم أنها لم تفعل شيئًا إلا أنها تمارس حريتها، ولم تجُر على حقوق وحريات الآخرين، كما ترسم بالتفصيل لوحة تبدو معتادة للمرأة العاملة التي تحاول جاهدةً أن تحظى بساعة واحدة خاصة بها في يومها المليء بالمهمات المرهقة:"يستيقظ أخيرًا، تغيّر له ملابسه وتحثه على تناول فطوره، تفتح شنطة يدها أكثر من مرة للتأكد من وجود مفاتيح البيت وأنها لا تنسى هاتفها، تعد له حقيبته الصغيرة، تطلب منه وعودًا بألا يثير المشاكل وأن يكون ولدًا مطيعًا، لكنه لا يفيق.تغلق خلفها باب البيت وتقف في مواجهة شارعٍ طويل عليها أن تقطعه سيرًا لتستقل مواصلة ما إلى الحضانة ثم أخرى إلى العمر، تمر سيارة مسرعة تخلِّف وراءها غبارًا تنفضه عن ملابسها وتمسح وجهها بيدها، يزيد الغبار صباحها ضيقًا ويزيد تطلعها لحياةٍ لا اختناق فيها". وتستمر الرحلة في رصدٍ متوالٍ لتلك المشاهد التي تبدو مألوفةً جدًا وكاشفةً في الوقت نفسه لما تقوم به المرأة طوال الوقت من محاولات دؤوبة، لكي تمر الحياة واليوم العصيب، أملاً في العثور على ساعة تخصها وحدها في النهاية. ولا شك أن الرجل حاضرٌ بقوّة في العديد من القصص، سواء كان فارس الأحلام المثالي الذي تتحطّم صورته على أرض الواقع مثلما تشير إليه في قصة "حواديت"، أو ذلك الرومانسي الحالم الذي أتى فجأة من ظلال الماضي ليستعيد حلمًا فرّط فيه في قصة "فاصل من الماضي"، التي تبدأ برسالة: "مندهش أنا يا عزيزتي، كيف أضعتكِ وانغمست في حياةٍ لا تشبهني، وحدكِ كنتِ مرآتي ضميري الذي لم أقدر على مواجهته، فردت جناحي وهربت بعيدًا عنكِ خوفًا من أن أسلّم لكِ فأفقد قدرتي على الطيران، لكني بعدكِ فقدت المدى، كنتِ سمائي التي ما إن أحلق إليها حتى أشعر بحريتي كاملة، لم أدرك ذلك حينها...".وعلى الرغم مما فاضت به رسالته من رومانسية مفتعلة، فإن البطلة كانت قد أدركت تمامًا بعد تجربتها المريرة معها وبعد مرور السنين أنه ليس جديرًا بها، وأن عقارب الساعة لا يمكن أن ترجع للوراء فردت عليه "كبرنا يا عزيزي، لم يعد لديّ طاقةٌ للحرث في البحر، من قبل صبرت عليك حتى امتلأتُ وفاض بي الوجع، طفت فوقه ونجوت بنفسي، لم يكن الفرار منك أمرًا هينًا، ولكن التسليم لك غرقٌ لا نجاة منه". كما يحضر أيضًا ذلك الرجل الانتهازي الذي لا يقيم اعتبارًا لامرأة أحبته أو امرأة أطاعته ورضت أن تعيش معه، بل يشعر أنه ملك متوج يأمر فيطاع في قصة "تحت سقف الخذلان". وتجيد الكاتبة التعبير عنه في هذه القصة، إذ يحضر بصوته، إذ تقسم القصة إلى أربعة مقاطع يتناول كل طرفٍ من أبطالها عرض الحكاية كما يراها من وجهة نظره، بطريقة تعدد الرواة، ثم تنتهي في المقطع الأخير بالقرار الذي أخذته البطلة التي لن توافق على حبيبٍ يدمر أسرته من أجلها. تحضر الأم في عدد من القصص، مرة بطريقة سلبية تقهر ابنتها وتملي عليها ما تريده، وتبدو صورة نمطية للأم في المجتمع بشكلٍ عام، لكنها تضيء فجأة ويكون لها تأثير إيجابي وفارق مع بطلة قصة "على وشك بكاءٍ لا يحدث"، إذ تقف مع ابنتها التي تترك حب عمرها لكي لا تفقد عملها وتحقيقها لذاتها، وتقول لها بكل قوة "لو أحبكِ لوافق على ما يسعدك، استقلالك، وإلا ستبقين تابعةً له للأبد، التضحية لمرة واحدة تجرك للكثير من التضحيات...". وبالرغم من أن القصة تشير بشكل ما إلى أن البطلة لم تتغلّب على ذكرى ذلك الحبيب الذي كان، لكنها انتصرت لنفسها في النهاية.كما ظهر الوطن بمفهومه الجميل في حنين البطلة المغتربة إليه وإلى أصحابه، وما حملته لهم من ذكريات جميلة في قصة "بعض الحلوى تثير الدفء"، التي أجادت الكاتبة التعبير عن مشاعر بطلتها المتذبذبة في علاقتها بالوطن التي لا تبدو مستقرة، ولكنها ما إن تتعرَّف على الناس فيه وتكتشف قصة حبٍ يعتريها بعض الألم حتى تشعر بدفء الوطن وصدق الحنين إليه، حتى رغم عودتها إلى الغربة لكنها تكتسب مفهومًا جديدًا لحياتها يمنحها المزيد من الأمل. لا تكتفي "سارة" بالرصد الواقعي لمشاهد الحياة المعتادة تلك في القصص، أو مساءلة الناس والمجتمع حول بعض عاداتهم وتقاليدهم البالية، ولكنها تلجأ كذلك إلى أساليب القص الأكثر تحررًا، مثل أن تستخدم الفانتازيا ببساطة في القصة الأخيرة من المجموعة "محاولات للفرار من شجرة الصبّار"، التي تتخيّل فيها الأم نفسها وقد نجت أخيرًا من سيطرة الزوج وتحكماته، واستطاعت أخيرًا أن تنفذ ما فكَّرت فيه طويلاً بأن قتلته، ثم تفاجأ بأن ذلك محض هلاوس في خيالها لم يتحقق منها شيء بعد. "كيف سأتخلص من جثته؟ ربما أطهو أجزاءً منه للأولاد، يا لها من فكرة شريرة تصيبني بالاشمئزاز! سأطهوه للقطط إذن، جارتي لا تتوقف عن الشكوى منهم، كانت قطة واحدة لكنها منحلة، هل توجد قطة منحلة؟ لم أستطع السيطرة على علاقاتها، وحده كان المسيطر دائمًا، الأولاد لا يستمعون إليّ، كيف سأبرر لهم اختفاءه، جدتي كانت تقص عليّ أبيات من الشعر كان جدي يُسمعها إياها، ربما لو قرأ لي الشعر يومًا ما كانت جثته الآن ممددة أمامي، تسيل الدماء على السجادة البيج.. ماذا لو لم يسخر من لون فستاني الجديد، لكنها لم تكن مشكلة الفستان فحسب، (عيناك ليالٍ صيفية) من أين يأتي لحنها الآن؟ أريد الذهاب إلى المطبخ لأطفئ البوتجاز وأعود، سأدفن رأسه بجوار البيت، وأزرع الصبار فوقه...).وهكذا تدور بنا "سارة" مع بطلاتها في لوحاتٍ متعددة ومشاهد مختلفة لتنقل لنا أطرافًا من المشكلات، وبعض الصور والمواقف التي تبقى في الذاكرة لتشير -ولو من طرفٍ خفي- إلى أنه ثمّة أمل للمتشبثين بالحياة.


Banner
إقرأ أيضا لــ سارة طوبار
إقرأ أيضا في كتب أدبية

Add comment

Security code
Refresh

نبذة عن سارة طوبار