لا تركضي وراء الذئاب يا عزيزتي
لا تركضي وراء الذئاب يا عزيزتي
للكاتب: علي بدر
من قسم: كتب أدبية
عن هذا الكتاب:

علي بدر ملفت لي منذ البداية ، ملفت لأنه يتقن استخدام معطيات السياسة في الرواية بطريقة ذكية دون أن يشعرك بالملل، ذكاء علي بدر هو في ركضه بالتزامن وراء خطين غير متوازيين أحدهما في بغداد و الثاني في أديس أبابا " تعني الزهرة الجديدة في اللغة الأمهيرية '"، إنه صحفي عراقي متأمرك ناكث لعهد العراق منذ زمن .. يعيش في أحضان الرأسمالية و البراغماتية الأميركية البغيضة ، يكتب و يحلل .. و يتنكر لإرث شرقه الأوسطي ؛ تلك الهوة السوداء التي ابتلعت أحلامه و أحلام شباب كثيرين ، عندما سأل جورج باركر " اسمه المستعار " عن الثورة في أديس أبابا و عن الجيش الأممي و عن فلول الثوار العراقيين الذين جاؤوا من العراق لتحرير أفريقيا رأى ببساطة أن الثورة تأكل أبنائها كما هي العادة .. قابل الحقيقة و رأى زيف الشعارات .. فما يتبقى هم أساطين المال .. عندها فقط ترى النسوة يبعن لحمهن مقابل كسرة خبز يابس يضن بها رجل أبيض عرف من أين ينقض على النعجة الذليلة لأنها أسلمته قيادها بحماقة ! ليست الثورة إلا محض صدف ٍ تاريخية ٍ لرجال ٍ لم يعوا معنى أن تكون الحياة أكثر من شعار ، تبدو الثورة مجموعة شعارات و أعلام و بنادق و قصص ٍ في الخنادق و غراميات ثورية ، لكنها في النهاية عامل هدم لكل الذين صنعوها ، فهي تظل تحبسهم و تغرقهم في دوامة الهراء الذي تصنعه ، الثورة ليست ذئبا ً في الحقيقة بل زلزالا ً يثقل الكثيرين و يدمّر كل شيء ، و أول ما يقتل مركزه ، الثورة نشيد الحرية و دعاء الفقراء و أغاني المحرومين ، هذه هي حقيقتها ، ليست ما قلته في الأعلى ، لكنها في النهاية تكون من نصيب الطفيليين ! أفريقيا السوداء و الخضراء ، أفريقيا الأغنية الزنجية الثائرة ، الراقصة التي تهز ردفيها بكل غنج ، المرأة الكادحة و المتصببة عرقا ً و أمنيات الظهيرة القانلة والبرد الليلي اللذيذ اللذيذ ، أفريقيا أجمل الأغنيات ، التي تتحول إلى عاهرة يبيعها القوادين في مداخل الحانات ليلا !الحقيقة هي ما ينفعني و يفيدني ، هي مصلحتي ! العالم ينقسم إلى قسمين :الأول : مترف في الجنس ، ثري بالأجساد المشتهية ، يضعف التابو فيه لأن الجسد طليق و حر و غير معوق ، و هنالك القسم الثاني : عالم المجاعات الجنسية من كل نوع ! لتكن الديمقراطية الدائمة هي الثورة الدائمة أنت لن تتعرف على شعب ٍ مطلقا ً ، و تكون واحدا ً منه ، إلا بعد أن تطرح إحدى نسائه على سريرك !الثوري الحقيقي لا تطيح به الشهرة ، و لا يفت العمر من ثوريته ! الكاتب النادر هو ثوري في الحقيقة ، الثورة ليست دربا ً للأسى ، حتى لو كانت فاشلة ! يقولون لنا حين يحبوننا نحكبم رغم لونكم الأسود ، و حين يكرهوننا يقولون لا علاقة للونكم بهذا الكره ، إننا متعينون في أفريقيا بالسواد فقط ، إننا عبيد للوننا و لمظهرنا ، نحن أسرى موقعنا !بالأمس بكت لاليت و هي عارية في فراشي ، نشجت ، و فاضت الدموع من عينيها البقعاوين ، و قالت بحسرة شديدة : هل بقيت أفريقيا على حالها ؟ هراء . الثورة ماتت ، الصورة انتهت . لم تعد هناك ثورة و لا أي شيء ٍ من العلم الأحمر . أفريقيا عبودية ٌ للسود في النهار ، و في الليل بغي ٌ للرجال البيض الذين يركبون نساءها و ينهبون ثرواتها !نسي ماركس شيئا ً مهما ً ، أفريقيا هي المكان الملائم للشيوعية ، لأنهم لا يفكرون بالملكية مطلقا !كل امرأة سوداء تتمنى ان تتزوج من أبيض !كل بروليتاري يتمنى أن يتزوج من امرأة برجوازية !أنا أرى الناس مثل الحيوانات ، كل شخص ٍ له هيئة حيوان ، و يحمل خصائص هذا الحيوان ! الثورة خرافة ، أو أفيون مثقفين ! ثوارنا الجدد : أصحاب الدشاديش القصيرة و اللحى و أصحاب العمائم السوداء ، الذين يشكل الجنس لديهم انتكاسة روحية في الأرض و شهوة مستديمة في السماء !
القتلى هم قرابين ٌ ترفع كل يوم ٍ على مذبح إله الثورة الذي لا يشبع !
عفوا ً علي :لم يكن ماركس سيئا ً كما تتصور بل قدرتنا على مجاراة فهم ماركس هي السيئة ، الماركسية ليست خديعة ً أو وهما ً ؛ إنما فكرة الثورة التي تحدثت عنها الماركسية شيء ٌ أقرب إلى الوهم ، فالتغيير الذي تصنعه الشعارات و البنادق و قناني الفودكا ليس إلا خرافة ، لأن المحروم يبحث عن مكان ٍ لينام و يأكل فيه ، عن إيمان ٍ يساعده على النوم و الأكل و تمضية الحياة ، الشيوعية لم تكن علما ً أحمر فقط ، بل إنها الدماء التي تجري في عروقنا من أجل أن نظل أحياء و قادرين على فهم حقيقة الوجود و هذه الحياة و هذا الإنسان ، من خلال منظور ٍ معين ٍ و مغاير ، هذا المنظور هو الفكر الماركسي ، الفكر الماركسي ليس جامدا ً كما يُصوّره البعض بل هو أقرب إلى التنوير و الاستفادة من التجربة الفاضلة ، هو اليوتوبيا الوحيدة الممكنة على هذه الأرض !ربما كان على أفريقيا أن تُنجب آلافا ً من أمثال ستيف بيكو ، أكثر مما أنجبت معتوهين من أمثال منغيستو و عيدي أمين و أحمد عبود و النميري إلخ إلخ من قائمة الطغاة ، و الخدم على موائد الرجل الأبيض الذي حل للتو من هذه السمراء الجميلة ، كان عليها بدل أن تقطّع جسد لومومبا إلى قطع ٍ صغيرة و ترميه للحيوانات البرية ، أن تبني له ألف تمثال و آلاف النُصب ، وحدهما ربما أكاد أجزم وحدهما من فهما أفريقيا على حالها ، و حاولا أن يُوصلا هذه الفكرة إلى كل إنسان في هذا القفر الذي حاول الرجل الأبيض تفريغه من معاني الإنسانية ، و حوله إلى صندوق معلّب لخلق العبيد ، الحالة التي تعيشها افريقيا ليست حالة هذيانات حول الحرية ، حينما زار غيفارا الكونغو و حين أتى الجنود الكوبيون إلى أنغولا ، كانت أفريقيا محل صراع الإنسانية و الحرية مع الاستعباد و القيم الوضيعة لدى سكان الشمال ، كانت أفريقيا هي الثائرة الأخيرة على مذبح الإنسان المتهالك ، و الآن صارت أفريقيا كنزا ً يحاول الإنسان الأبيض و الأصفر أن يجعل منها ممسحة ً يمسح فيها سفالاته و انحطاطاته ، و ينقل إليها صراعاته ، فهذا اللون الأسود ، لا بد أن يتلطخ بذرات تراب الصحراء الكبرى ، و بأن يموت ممسكا ً بطوطمه ، و يحمل معه إلى الموت رسالة احتجاج لحياة الإنسان التعيسة .


Banner
إقرأ أيضا لــ علي بدر
إقرأ أيضا في كتب أدبية

Add comment

Security code
Refresh

نبذة عن علي بدر